صور من مشاريع مؤسسة التعاون

قصة الحب والثورة PDF تصدير لهيئة طباعة ارسال لصديق

 قصة الحب والثورة

"أكتب ونفسي مثقلة بالألم والاحتجاج. أكتب من أقاصي الأرض. ملاذي بعد أن فقدت ما كان مركزاً لحياتي وبعد أن أصبحت حراً، أهيم وأتنقل في محاولة لنسيان ما لا يمكن نسيانه. مؤلم وصعب ما تطلبينه مني. إعادة أيامي في القدس أو "الأدس" كما كنا نسميها بالعامية....... "

فقرة من رسالة كتبها الفنان فلادمير تماري لشقيقته فيرا تماري

09_016a.jpgلوحات ......تروي القصص

ما أجمل أن نعيد ذكرياتنا، ونعود في زيارة إلى حرم جامعة بيرزيت، والأجمل من هذا أن نعيدها في زيارة إلى أجمل مرافقها وأكثرها حميمية وفلسطينية.      

هناك... سمعت أصواتا خافتة، تهمس وتضحك، بعضها يبكي، وبعضها كان غضباً أو ثائراً.....ومن بعيد تخيلت أني سمعت صوت فتاة تقول: " يمه مش رح أقدر أمشي أكثر من هيذ، تعبت".

وصوت رجل آخر يقول " ما تخافش يا ابني، ما فش داعي تاخذ جميع أغراضك، ما إحنا راجعين بإذن الله"، فرد عليه ولده قائلاً : " آهههههه يا خوفي يا أبوي أتطول هالشغلة، وما نرجعش بالمرة".

تنهدت تنهيدة عجوز متعبة..... ولكني في نفس الوقت استمتعت وأنا أنظر إلى اللوحات التي أخذتني بعيداً وحدثتني عن قصص النكبة والصراع، والحكايات الشعبية، والتي كانت تروي قصة " الحب والثورة"

"برهان كركوتلي" فنان سوري كان مولعاً برسم الصبايا العربيات وبالأخص الفلسطينيات وكذلك الأفراح الشعبية بما فيها الأعراس، بالإضافة إلى رسم الشخصيات العربية والفلسطينية المناضلة كالشيخ عز الدين القسام وعبد القادر الحسينيي. لا تستطيع وأنت تنظر إلى هذه اللوحات إلا أن تسمع صوت التراث.... وصوت...... الحب ........ وصوت....... فلسطين.

09_016b.jpg

متحف لتوثيق الحقيقة

09_016c.jpgلطالما أدركت جامعة بيرزيت، أهميّة النهوض بالفن والثقافة وتطويرهما، خاصةً ضمن البرامج الأكاديميّة أو الفعاليّات الخاصّة أو نشاطات الطلبة خارج إطار المقررات الأكاديميّة، وربطها من خلال الدراسات الإثنوغرافية والتاريخ الاجتماعي والدراسات الثقافية والفن والهندسة المعمارية. وتشكل رعاية الثقافة والفنون أحد الركائز الهامة في رسالة الجامعة التربويّة، والتي تهدف أساسا إلى تنمية أفراد مبدعين وحيويين، أفراد يستطيعون -من خلال عقولهم المبدعة- المساهمة في تطوّر المجتمع الفلسطينيّ. (1)

بهذه الروح، أسست الجامعة في تمّوز 2005 متحف المقتنيات التراثية والفنية ليحتضن مجموعات الأعمال الفنية والتراثية الخاصة بها. وقد باشر المتحف بتنظيم معارض فنية بشكل دوري، بالإضافة إلى أرشفة هذه المجموعات والمحافظة عليها وصيانتها وتطويرها. كما يستضيف المتحف معارض للفنون البصرية الزائرة التي تركز على التجارب والممارسات المعاصرة.

وأصبح متحف المقتنيات التراثية والفنية متخصصا وفريدا من نوعه. عندما تتجول داخله ترى قاعتين للعرض إحداهما 09_016d.jpgللمعارض وللمقتنيات الفنية والأخرى للمقتنيات التراثية.....حاولت أن أنصت لما تنطق به اللوحات في قاعة العرض الأولى، لوحات الفنان الراحل "ابراهيم كركوتلي" لوحات "الحب والثورة".....ولكن صوتاً آخر أخذ يناديني بنبرة عالية لكنها عريقة......قائلا:" تعالي إلي هنا، تفضلي إلى غرفتنا المقدسية، وشاهدي ذكريات الزمن القديم............".

ذكريات الزمن القديم ..........غرفة عائلية مقدسية

 قبل عام 1948. كان للعائلات المقدسية من الطبقة الوسطى غرفة عائلية خاصة يلتقي فيها أفراد العائلة، تشكل نقطة محورية في حياة هذه العائلات، حيث يجتمع أفراد العائلة والجيران والأقارب والأصدقاء، في هذه الغرفة خلال الاحتفال بالمناسبات التقليدية والمناسبات العائلية الشخصية. كانت الغرفة العائلية تعكس الوضع والذوق الاجتماعي لتلك الفترة، كما كانت تعكس مكانة القدس كمدينة متعددة الثقافات. كان لهذا التنوع الاجتماعي والعرقي والديني تأثير على طريقة زخرفة العائلة الفلسطينية لغرفة المعيشة أو الصالون، كما أن امتلاء الأسواق بتلك الفترة بخليط متنوع من البضائع والسلع التجارية التي كانت تجلب إلى المدينة المقدسة من مختلف أنحاء المعمورة، وفر للأسر مجموعة متنوعة من الأدوات والأثاث والأقمشة والوسائل الزخرفية والتي شكلت جميعها مزيجاً مميزاً وفريداً من نوعه ، كاشفاً عن غنى وتنوع حياة المقدسيين من خلال ما جمعوه واستخدموه في بيوتهم  . (2)     

وعن معرض " القدس بيتنا"  تقول فيرا تماري مديرة المتحف "هو أول معرض في سلسلة معارض متخصصة حول المدن الفلسطينية الرئيسية التي ينوي متحف المقتنيات التراثية والفنية في جامعة بيزيت إقامتها ضمن معارضه الاثنوغرافية المتخصصة". مضيفةً: "القدس بيتنا" هو سرد مرئي لجوانب مختارة من حياة المدينة المقدسية ما بعد الحرب العالمية الأولى وقبل حرب عام 1948. وذلك من خلال عرض أغراض شخصية وصور وملابس تقليدية وقطع أثاث وقطع حرفية وعمارة والتي تعكس أسلوب الحياة آنذاك وذوق ساكنيها وما واكبها من ممارسات اجتماعية وفكرية وفنية في تلك الحقبة ".

09_016e.jpgيقول الفنان الفلسطيني فلاديمير تماري المقيم في طوكيو في رسالة وجهها إلى شقيقته فيرا تماري زميلته في الفن ومديرة المتحف" والتي نشرت في كتيب معرض " القدس أبجدية الألوان" الذي أقيم في نهاية شهر تموز بمناسبة " احتفالية القدس عاصمة الثقافة العربية 2009:     

"أكتب ونفسي مثقلة بالألم والاحتجاج. أكتب من أقاصي الأرض. ملاذي بعد أن فقدت ما كان مركزاً لحياتي وبعد أن أصبحت حراً، أهيم وأتنقل في محاولة لنسيان ما لا يمكن نسيانه. مؤلم وصعب ما تطلبينه مني. إعادة أيامي في القدس أو "الأدس" كما كنا نسميها بالعامية".  

"بالرغم من أننا ولدنا في القدس، إلا أننا ترعرعنا في كنف رام الله والبيرة وأجوائها، بهواء نقي وحرية تلك المدينتين التوأمين المتراميتين في حضن التلال والمحاطة بقرى عديدة مجاورة. وهكذا كانت زيارتي المتعددة للقدس استمراراً طبيعياً لحياتنا اليومية آنذاك".

" في ذكرياتي مشوار مع أبي في أزقة البلدة القديمة وهو يشير إلى فتحة بوابة ضيقة في الجدار قائلاً ((هنا عاش أجدادنا)) وفي مكان آخر وعلى أحد جدران مدرسة الكنيسة اللوثرية تبقى حتى اليوم جداريه خزفية زخرفتها بخط عربي كنت قد عكفت على تصميمه آنذاك. " (3)

مقتنيات ثمينة.......

 09_016f.jpgلو أن أخي.....أختي....عمي....صديقي..... نفسي، نحارب من أجل مقتنياتنا التراثية والفنية وبها،   لدحضنا العدو ومدافعه، هذا ما قاله قلبي لعقلي عندما رأى أختام الخبز المقدسي والصابون والبخور المذهب. نعم فأكيد أن الحفاظ على مثل هذا التاريخ والجمال وتبني التعريف به ونقله من جيل إلى جيل إنما هو السلاح الذي به تعيش الأمم ومنه تستمد صلابتها مهما تقاسي من الكوارث وويلات الحروب.

عندما تتجول في المعرض تجذبك وعلى الفور مجموعات من الأختام كانت تستخدم لختم الخبز المقدس للكنائس، ويسمى (غربنية) وهو نوع من الخبز الذي يخبز منه الفلاحون المسيحيون خمسة أغرفة من طحين مطحون سبع مرات، وعلى الأرغفة دمغة من راشم ( ختم)، تبارك الأرغفة في الكنيسة وتبقى أربعة منها للكهنة، والخامس يعاد إلى البيت ويوزع على أفراد العائلة. تشمل المجموعة المعروضة أيضاً بعض القطع من الصابون المصنع بيتياً، وعليها أختام مختلفة لقدسيين وأماكن مقدسة مثل قبة الصخرة، وكذلك بعض البخور المعجون ومختوم عليه صور للقديسين والعائلة المقدسة. (4)

وهنا تبدأ عيناك تذهب يميناً وشمالاً.........

لا تتوقف عن الالتفات عندما ترى خزفيات مصقولة وذات بريق على النمط العثماني وترى عليها نماذج من الزهور الكثيفة باللون الأزرق والفيروزي والأخضر على خلفية بيضاء. تقول فيرا تماري :" لا يزال مصنع الخزف الفلسطيني الذي تملكه عائلة بليان، ينتج بلاط السيراميك المرسوم باليد منذ عام 1922عندما أدخل نيشان بليان وشركاؤه من عائلة كركشيان وأوهانسيان هذا الشكل من صناعة الخزف الزخرفي إلى فلسطين".

وتواصل تماري قائلة، "هذا أول متحف من نوعه، ونأمل أن يكون نواة لأساليب ثقافية أخرى، لأن الثقافة لا تزال مهمشة وتحتاج إلى عمل أكبر ، بالرغم من التطور، وبجب أن تصل إلى فئات أخرى من المجتمع".

التعاون.... التزام نحو التراث

لقد جاء مشروع متحف المقتنايات التراثية والفنية ضمن تطوير وحدات أكاديمية بحثية حول الفنون والتراث داخل الجامعة. وقد سبق مشروع المتحف إنشاء الجاليري الافتراضي، وهو الموقع الالكتروني المتخصص في الفنون الفلسطينية، والذي يعد امتداداً لفكرة الوحدات الأكاديمية التي تخدم بعضها البعض. وتتكامل في فلسفتها ومنهجها. كما ينطلق المتحف من رسالة هامة وهي توفير الفرص الحيوية لإبراز الفن المعاصر المحلي والعالمي ، إيمانا بالمردود الايجابي لنشاطات المتحف على عدد كبير من طلبة الجامعة من بين أكثر من 7500 طالب وطالبة. وتأثيره في تطوير الحركة الثقافية والفنية في فلسطين.

وانطلاقا من إيمانها القوي بما يشكله الموروث الثقافي من أهمية في ترسيخ الإحساس بالهوية، ارتأت مؤسسة التعاون التي تربطها بجامعة بيرزيت شراكة تاريخية، أن تساعد المتحف على الاستمرار في دوره الريادي للحفاظ على الموروث الثقافي في فلسطين وحمايته من الضياع وتطويره ضمن آليات متحفية متخصصة أكاديمياً ومهنياً، كذلك لدعم وتطوير نشاطات المتحف، ومنها المعارض الفنية المعاصرة والندوات وورشات العمل وبرامج التواصل المجتمعي والنشاطات المرتبطة بمشروع الجاليري الافتراضي.

غادرت المتحف ورأسي مسكونة بالتساؤلات ... ترى كيف يرى من عاش هذه الحياة ما رأيته أنا؟! هل تناديه اللوحات أم أن النداء يخرج من داخله؟!!

أقدامي كانت تحث السير إلى الحاضر والحنين لتلك الأصوات يلهب حماسها للوصول إلى مكتبي هناك في "التعاون"... لتبدأ قصة الحب والثورة ..!

 

كتبها: مرح عبد الهادي

مؤسسة التعاون - رام الله
 
  1. كتيب الفن والثقافة في جامعة بيرزيت بين التراث والمعاصرة الصادر عن متحف المقتنيات التراثية والفنية في جامعة بيرزيت
  2. كتيب معرض القدس بيتنا ، الصادر عن متحف المقتنيات التراثية والفنية في جامعة بيرزيت
  3. كتيب معرض القدس أبجدية الألوان الصادر عن مؤسسة حوش الفن الفلسطيني
  4. كتيب معرض القدس بيتنا ، الصادر عن متحف المقتنيات التراثية والفنية في جامعة بيرزيت
 
آخر تحديث ( Monday, 28 September 2009 )
 
< السابق   التالى >