|
أحمد... 9 سنوات، عزف آلة الكمان منذ كان يبدل أسنانه، يريد أن
يصبح عازفاً مشهوراً.
آلاء... 11 سنة تعزف آلة الكمان، تريد أن تصبح معلمة موسيقى،
وتقول: " أشعر أن الاحتلال لا يريدنا أن نعزف ، لكننا نعزف في جميع الأحوال.
عدي... 17 سنة، سجل اسطوانة، ويحب الغناء ويحلم أن يصبح
مغنياً مشهوراً.
فيفيان... 8 سنوات، تسكن في الحارة
(البلدة القديمة) في رام الله ، وتشجعها أمها على العزف، رغم اعتراض جدتها.
مرون... يعزف الغيتار، وفاز بجائزة مارسيل خليفة، وكتب قصته
في مذكراته.
شحادة... يصنع آلة الكمان.
تمشي في شوارع ضيقة، تكاد تلامس
الجدران من كلا الطرفين، ثم تشم رائحة عريقة هي رائحة الطابون تحاصرك آتية من المخبز القديم،
وتمشي قليلا فتسمع همسات وضحكات عفوية، فتخطو قليلاً الى الأمام وتجد أن هذه
الأصوات صادرة عن والدة آلاء وشحادة، وجدتهما، ووالدة فيفيان وجارتها وابنة جارتها
وابنة عم جارتهما وأخت ابنة الجيران وجدتها.........
في وسط البلدة القديمة
بدأت الفكرة بجولات حول مخيمات
اللاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية، في اطار ورشات العمل والتدريبات المختلفة
للأطفال في المناطق الفقيرة والمهمشة. وتحولت الفكرة فيما بعد إلى إنشاء مؤسسة
لتعليم الموسيقى في رام الله عام 2005، ليستهدف الطبقات الفقيرة والأطفال من
مخيمات اللاجئين.
ربما وجود هذا المركز في قلب البلدة
القديمة أمر يدعو الى الاستغراب، لكنه أيضاً يثبت فكرة المحافظة على التراث
الفلسطيني والهوية الفلسطينية.
سائد كرزون هو أحد مؤسسي المركز وهو
منسق المشروع فيه، يقول:" كان تحديا كبيرا لنا أن نجعل موقع المركز ( المؤسسة
) هنا في البلدة القديمة لأنها حارة قديمة جداً وبجانب المسجد، لكننا فوجئنا بتقبل
الناس للفكرة، وأضاف سائد وبعفوية عن أهل الحارة قائلا:" كانوا يستاؤون عند
رؤيتنا نحمل أكياسا من غير محلاتهم الصغيرة، لأنهم يشعرون بأنهم جزء من المركز،
والمركز جزء من الحارة."
الموسيقى..............ثقافة
ربما هنالك العديد من التقلبات والتغييرات في
الطابع الحضاري والموسيقي في فلسطين بسبب عدم الاستقرار السياسي، لكن من البديهي
ألا يوجد أفضل من الموسيقى في قدرتها على التعبيرً
عن الجوهر الحضاري لأي مجتمع، فمنذ صغرنا ونحن نسمع عن فرقة صابرين و ريم البنا وغيرها
من الفرق والمغنين الشعبيين، ونفتخر بمجرد فكرة وجودهم بيننا وفي فلسطين.
واليوم، نتوجه لحضور إحدى الحفلات
الموسيقية في قصر رام الله الثقافي، ولا نجد مكانا شاغراً بسبب كثرة الناس، وأصبح
هذا المشهد يتكرر مع ازدياد اهتمام الناس بثقافة الموسيقى.
عندما سألنا سائد عن تعليم الموسيقى
للأطفال ، قال :" ليس الهدف أن نجعل الطلاب عازفين محترفين وعالميين، وانما الهدف
هو التركيز على أهمية الجو الثقافي العام".
الموسيقى ...............تعبير
ليس الوقوف على خشبة المسرح، أو
التصفيق الحار هو الذي رسم البسمة على وجه آلاء، انما هو إصرارها على حب الموسيقى
وحب الحياة. تروي لنا آلاء قصة ذهابها إلى مدينة نابلس للعزف وتبدو على وجهها
الصغير علامات الحزن وتقول:" كنا رايحيين على نابلس عشان نعزف، فتحوا الجنود
الآلة لتفقدها، كان واحد منا ناسي هويته ، وبقينا أكثر من ساعة ننتظر على الحاجز ،
وصلنا متأخرين والبعض منا لم يعزف بشكل صحيح، بسبب الخوف".
في الوقت الذي تلعب فيه الموسيقى
دوراً كبيراً في خلق ثقافة الابداع عند الطفل، من خلال تنمية المهارات النفسية
والاجتماعية، تتاح الفرصة للتعبير عن الذات والتعامل مع المواقف المختلفة في
الحياة.
الموسيقى............تغذية للعقل
هنالك طرق شتى لتلقين الطفل
المعايير الاجتماعية، ولذلك يستخدم مركز الكمنجاتي الموسيقى لتنمية الجوانب
الشخصية والنفسية والاجتماعية للطفل سواء كان ذلك في تكوين شخصية تجيد فن الاستماع
أو تنمية الفكر والوجدان من خلال تنمية المهارات النفسية والاجتماعية وطرق التعامل
مع الآخرين.
يقول سائد:" نحن لا نعلم
الأطفال الموسيقى فقط، لكننا نعلمهم الانضباط أيضا".
حدثنا سائد عن الأطفال وأخبرنا أنهم
لم يكونوا منضبطين من حيث الحضور والمواعيد في بداية التحاقهم بالمركز، ومع الوقت
تغير الوضع تماماً واصبح الطلاب كأنهم "الألمان" على حد تعبيره.
موسيقى الحياة.........موسيقى
الهوية............موسيقى الواقع
"شعرت أنني فعلت شيئاً مهماً
في حياتي، حتى أنني كتبتها في دفتر مذكراتي" بهذه العبارة
الذكية أجابنا مرون ذو العشرة أعوام حين سألناه عن شعوره عندما فاز بالجائزة
الأولى من فئته "جائزة مرسيل خليفة.
يُقال أن الحياة مجموعة من القصص
والروايات التي لم تجد من يرويها بعد، ولكن هؤلاء الأطفال أثبتوا عكس هذه المقولة
عندما استخدموا الموسيقى للتعبير عن واقعهم وثقافتهم، ولأن الموسيقى تعبر عن
الجوهر الحضاري للمجتمع، فإن آلاء وأحمد وعدي و مرون وشحادة يمثلون ما يعكسه هذا المجتمع
من ثقافة وموسيقى وفن وحياة .......
موسيقى للجميع
هذا ليس عنواناً آخر للموسيقى، انما
هو اسم المشروع التي تبنته مؤسسة التعاون العام الماضي لدعم مركز الكمنجاتي، قدمت
من خلاله تدريبات وبرامج موسيقية مكثفة على أدوات موسيقية متنوعة لأكثر من 160 طفلاً
وطفلة في كل من رام الله ومخيمي الجلزون وقلنديا وفي مدينة جنين، بهدف توفير مخرج
ايجابي للأطفال الذين يعيشون تحت الاحتلال. استهدف المشروع الأطفال من الفئة
العمرية 4-15 سنة من أجل تعزيز ثقتهم بأنفسهم وتشجيعهم للانخراط في الجو الثقافي
المجتمعي، وتنمية روح الابداع الفكري لديهم حيث يشارك الأطفال في حماية تراثهم
وعكس صورة جميلة عن مجتمعهم، مما يمنحهم الفرصة والحق في بناء المستقبل الثقافي في
بلدهم ويعزز شعورهم بالهوية الجماعية.
اعداد: مرح عبد الهادي
مؤسسة التعاون، رام الله
|