|
أطفال غزة- رعب وخوف وصدمات نفسية - بحاجة إلى دعم وتدخل نفسي فوري :
غزة-عبد الهادي مسلم- لصالح مؤسسة التعاون
خلف العدوان التي نفذته قوات الجيش الاسرائيلي على قطاع
غزة مآسي وآلام وأحزان وأمراض عضوية ونفسية على كل سكان القطاع من مختلف الأعمار
ومن كلا الجنسين. فمناظر القتل والدمار وأصوات قصف الطائرات والدبابات والبوارج
الحربية ومشاهد صور أشلاء الضحايا والشهداء والأطفال والتشوهات التي أحدثتها
القنابل الفسفورية ما زالت حاضرة في أذهانهم ووجدانهم. و كانت أكثر الفئات عرضة
لهذه المآسي والأمراض النفسية هم الأطفال الذين مازالوا يعانون من الخوف والرعب
والانطواء والتبول اللاإرادي وأمراض نفسية وعضوية أخرى.
آلاف القصص الإنسانية تنضح بها المدارس التي تواجه أكبر
عملية قصف نفسي وعقلي لطلبتها ومدرسيها على السواء؛ فمن قصص من استشهد من الطلبة،
إلى قصص الطلبة الذين فقدوا معظم أو جميع أفراد عائلاتهم، إلى قصص فقد المعلمين الذين
فقدوا أسرهم وبيوتهم، إلي قصص الرعب والخوف التي تولدت عندهم بفعل القصف والقتل
والدمار.
فالطالبة سند س الشافعي التي تدرس في الصف الأول الإعدادي
في مدرسة بنات البريج الإعدادية للبنات والتابعة لوكالة الغوث الدولية، لم تستطع
تلبية دعوة التعليم للالتحاق بمقعدها الدراسي صباح السبت الموافق 24 يناير 2009
لأنها لم تصحو من آثار صدمة قصف منزلها بطائرات الإف 16 ثاني يوم الحرب على غزة عندما
أيقضها والدها وحملها إلى بيت قريب من منزلهم ورأت ما لحق بالمنزل والمنطقة
من قصف وتدمير.
حاول خالها والعديد من ذويها مساعدة والدها لتهيئتها
للتوجه إلى مدرستها صباحاً. وتقول والدتها "منذ قصف منزلنا ونحن نحاول
التخفيف عنها وشد من عزيمتها، لكن كما ترى كلما حاولنا الحديث معها تدخل في بكاء
حارق". وتضيف: "أعددناها للتوجه إلى المدرسة لكن للأسف سندس تذكرت
منزلها وغرفتها وجهاز الحاسوب فبكت، فاضطررت إلى إرسالها إلى بيت خالها لا إلى
المدرسة، فماذا أفعل.. إنها طفلة بريئة! " وأوضحت والدتها أن أحوال سندس قد
تحسنت وذهبت إلى المدرسة لكنها ما زالت تشعر بالخوف والرعب كلما تذكرت أصوات
الطائرات أو القصف أو رأت أو سمعت عن منزلها المدمر.
وبعد إلحاح وتدخل من والدها تحدثنا إلى الطفلة سندس التي
قالت : "كنا نعيش حياة سعيدة في بيتنا الجديد الذي لم يمض على بنائه سنتان،
ووالدي أحضر لي جهاز حاسوب لأنني تفوقت في دراستي.. وكنت سعيدة به حتى بدأت الحرب
على غزة وشاهدت في أول يوم مناظر وأشلاء ممزقة لشهداء قضوا في القصف ونمت وأنا
خائفة ومرعوبة على أمل أن أصحو من النوم في اليوم الثاني ويكون كل شيء قد انتهى،
ولكن الذي حدث كان عكس ذلك تماما حيت أنه في ساعة متأخرة من الليلة الثانية
للعدوان وبدون سابق إنذار أيقظني والدي وحملني إلى خارج منزلنا. وبعد أقل من خمسة
دقائق قصفته الطائرات، وتحول إلى أنقاض. هذا المشهد لا يمكن أن أنساه طالما
بقيت حية."
وتقر المرشدة النفسية في مدرسة سندس بصعوبة التعامل
مع المواقف النفسية الصادمة للطالبات وتضيف قائلة :"المدرسة بحاجة إلى طاقم
كبير من الأخصائيين للعمل فترة طويلة كي نتمكن من احتواء ما أمكن من تلك
الأزمات والحالات النفسية التي يحياها أطفالنا."
ويوضح الدكتور محمود الحمضيات مدير برامج التربية
والتعليم في وكالة الغوث أن الوكالة أعدت خطة إسعافية لبداية الفصل من حيت معالجة
ما ترتب على الطلبة من أثار نفسية بعد الحرب على غزة من خلال العديد من الوسائل
المتاحة والتي تشمل الدعم النفسي والتركيز على المسارين التعليمي والترفيهي
في آن واحد، بالإضافة إلى مساعدة الطلبة من خلال توفير التغذية والقرطاسية
ومساعدة أسرهم.
وقال: "يبدو أن المعاناة لن تتخلى عنا، فنحن نعاني
بكل الظروف والمتغيرات منذ البداية ولا نستطيع أن نقول إننا ننعم بظرف مريح لدرجة
كبيرة، وإذا انتظرنا انتهاء الظروف الصعبة يستحيل أن تستمر العملية
التعليمية". وأشار الحمضيات إلى أن وزارة التعليم ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين
"الاونروا" طلبوا من جميع مدرسيهم اتباع أساليب خاصة في التعامل مع
الطلبة في الأسبوع الأول من الدراسة، الذي خصصته للدعم النفسي وإعادة تهيئة نفسيات
الطلاب عبر إفساح المجال أمامهم للحديث والتعبير عما بداخلهم وعما شاهدوه.
ويستبعد الدكتور فضل أبو هين أستاذ علم النفس في جامعة
الأقصى بغزة، ورئيس مركز التدريب المجتمعي وإدارة الأزمات المشهور بتقديم خدماته
النفسية في القطاع أن تتمكن الطواقم النفسية من تغيير الأنماط النفسية في أشهر
معدودة قائلا أن الأمر يحتاج إلى سنوات خصوصاً مع حوالي أربعين ألف طالب تعرضوا
للصدمات تعرضاً مباشراً. واضطر مركز أبو هين في أول أيام عودة الدراسة في قطاع غزة
إلى الاستعانة بأربعين مختصاً نفسياً لينضموا إلى طاقم المركز المكون من (15)
مختصاً، ليواجهوا المئات من الطلبة والأهالي في منطقة عزبة عبد ربة شرق بلدة
جباليا، وحي الزيتون شرق مدينة غزة، وهو من أكثر الأحياء المدمرة في القطاع. وتداعت
المراكز والمؤسسات النفسية في القطاع إلى اجتماع لتقسيم مناطق القطاع على طواقمها لمواجهة
التداعيات النفسية الخطيرة لدى الفلسطينيين جميعهم.
ويكشف أبو هين عن نتائج مهولة لبحث ميداني أجراه مع (950)
رب أسرة وأطفالهم في مدارس الاونروا في الأيام الأخيرة من الحرب على غزة فكانت
النتائج صادمة، فـ (63%) من الآباء كانوا أكثر عصبية من ذي قبل و (92%) عبروا عن
الشعور بالخوف من المستقبل، بينما كانت النتائج عند الأطفال أكثر صدمة فـ (88%) من
الأطفال أصبحوا أكثر خوفاً اليوم من ذي قبل و (92%) يخشون ترك والديهم، و (45%)
تنتابهم أحلام مزعجة و (31%) يخافون الخروج نهاراً و (95%) يخافون الخروج ليلاً و
(78%) يتوقعون الموت في أي لحظة و (72%) يخافون من صوت الطائرات.
هذه الدراسة تؤكد درجة تأثر الأطفال الكبيرة جراء الحرب،
فهم بحاجة إلى إسعافات نفسية أولية سريعة، لنتفرغ بعد ذلك لحوالي (40) ألف طالب
مدرسي بحاجة إلى جلسات علاج نفسي مكثفة وطويلة الأمد لنخفف عنهم بعض الشيء.
وكانت مؤسسة التعاون قد أخذت بعين الاعتبار في برامجها
التي تنفذها في قطاع غزة الدعم النفسي للأطفال في المدارس من خلال طواقم مختصة
لكيفية التعامل مع الأطفال والتخفيف عنهم وأيضا من خلال الطرود الغذائية التي
وزعتها على الأسر المتضررة والتي راعت في مكوناتها بعض الأصناف الغذائية التي
يتناولها الأطفال. ويذكر أن مؤسسة التعاون ومن خلال" حملة سلام يا صغار
"والممول من إمارة الشارقة قد وزعت في شهر رمضان من العام الماضي هدايا
ووجبات ساخنة وحقائب مدرسية وكنزات صوفية وحلويات على 4000 يتيم موزعين على مختلف
إنحاء القطاع
|