|
النزوح من المغراقة
اعداد: عبد الهادي مسلم لصالح مؤسسة التعاون
المغراقة
منطقة تضم أكثر من 3,260 دونما من الأراضي الزراعية وتقع في جنوب غرب مدينة غزة،
وقد عملت مؤسسة التعاون خلال الأشهر القليلة السابقة على تنفيذ مشروع يخدم أكثر من
12,000 نسمة تقطن في تلك المنطقة، وذلك بهدف تحسين خدمات المياه والصرف الصحي في
تلك المنطقة بدعم من المفوضية الأوروبية
للمعونة الإنسانية (ECHO).
لكن
منذ تعرض قطاع غزة للهجوم العسكري الإسرائيلي في 27/12/2008، ومع احتدام شدة المعارك
العنيفة في تلك المنطقة، تحول الوضع هنالك أسوة بمناطق أخرى كثيرة إلى أكثر من مأساوي،
الأمر الذي أدى إلى نزوح مئات العائلات إلى أماكن أخرى سعيا لإيجاد مكان أكثر
أمنا.
روايات
وقصص ومشاهد وأحداث يرويها الفارون والنازحون من منازلهم إلى أماكن يعتقدون
أنها أكثر أمنا فمنهم من يتحدث عن شهداء وجرحي من نساء وأطفال ما زالوا تحت
الأنقاض لم تستطع سيارات الإسعاف الوصول إليهم استشهدوا بفعل القصف من الطائرات أو
الدبابات بالرغم من المناشدات لطواقم الإسعاف للحضور ونقلهم إلى المستشفيات، ولكن
بدون جدوى لأن قوات الاحتلال المتمركزة بدباباتها وقناصتها فوق المنازل تطلق
النيران على كل شيء يتحرك، ومواطنون يرون مشاهد الخوف والرعب والمعاناة والمخاطرة
بأنفسهم للهروب من منازلهم والقصف فوق رؤوسهم.
كل
هذه المشاهد والراويات وغيرها سمعناها من أسر وعائلات نزحت وهربت من
منازلها في منطقة المغراقة والتجأت إلى مركز إيواء أقامته وكالة الغوث الدولية في
أحد مدارسها في مخيم النصيرات على أمل أن يكون هذا الملجأ أكثر أمنا.
في
أحد الفصول من المدرسة تقيم عائلة عكيلة التي تضم أكثر من 36 فردا والتي هربت من
منازلها في منطقة المغراقة التي تبعد عن مدينة غزة 3 كيلومتر بفعل الخطر الذي كان
يتهددها من القصف المباشر والمركز من الدبابات الرابطة في محررة نتساريم على
منازلها حيت الأطفال والنساء وكبار السن الذين يفترشون الأرض وفي حالة يرثي
لها من المعاناة والألم ينتظرون مساعدتهم وإمدادهم بالبطاطين والفراشات
والطعام من أهل الخير ومن وكالة الغوث.
يروي
محمد عكيلة أحد أفراد العائلة وعلامات الحزن والتعب والخوف بادية على وجهه
قصة فراره مع أفراد عائلته من منطقة المغراقة قائلا: "كنت أعيش مع أفراد
أسرتي المكونة من 36 فردا في عمارة مكونة من أربع طوابق وأتابع الهجوم البري من
خلال الإذاعات المحلية وأسمع أصوات القصف من الطائرات والمدافع
والدبابات فأيقنت أن هذه القوات ستحتل منطقتنا بسرعة لأنها منطقة زراعية وفيها
مساكن متفرقة وتقع بالقرب من محررة نتساريم وأنهم سيتعاملون معنا مثل باقي التوغلات
التي كانت تحدث في المنطقة حيث كانوا يجمعوننا ويحققون معنا ونرجع إلى منازلنا
ولكن هذه المرة مختلفة كليا حيث ما أن بدأ الهجوم البري وإذ بتساقط القذائف علي
منازلنا من كل اتجاه فشعرنا بالخوف والرعب.
ويتابع
المواطن عكيلة والصدمة والخوف ما تزال تسيطر عليه: "إنه من شدة القصف والذي
طال الشقق العليا التي نسكن فيها اضطررت إلي أن أجمع أفراد أسرتي وعائلتي في
الطابق السفلي لأنه أكثر أمنا ولكن بدون جدوى فالقذائف تتساقط وأعتلى جنود
الاحتلال أسطح البنايات العالية وأصبحوا يستهدفون كل شيء يتحرك على الأرض."
ويضيف: "ولكننا
بالرغم من الخوف والرعب والصراخ إلا أننا صمدنا في منازلنا وقلت في قرارة
نفسي أنه بعد أن تتركز الدبابات التي احتلت محررة نتساريم سيكون الوضع
أفضل وسيتوقفون عن القصف كما كان يحدث معنا في التوغلات السابقة، ولكن القصف
على منازلنا اشتد وأصبحت حياتنا معرضة للموت المحقق وعندها قررت مع أفراد أسرتي
الخروج من المنزل والقذائف تتساقط علينا من كل اتجاه ولولا الرعاية الإلهية لكانت
الأسرة بكاملها قد استشهدت ورفعنا الرايات البيضاء وكان المنظر في غاية الصعوبة
إلى أن وصلنا مدينة الزهراء والتي لا تبعد عن منطقتنا إلا مئات الأمتار على اعتقاد
أن الوضع فيها أكثر أمنا ولكن تفاجئنا أن الوضع فيها أسوأ فتابعنا سيرنا إلى مخيم
النصيرات والطائرات من فوقنا تقصف والتجأنا إلى هذه المدرسة لحين عودتنا إلى
منازلنا."
الطفل
إبراهيم عكيلة والذي لم يتجاوز من العمر 10 سنوات والمقيم مع والده في نفس الفصل
قال وعلامات الخوف والإرباك تبدو على وجهه: "أنا حتى الآن خائف وكل ما أسمع
قصف أخاف أكثر وأذهب في حضن والدي ووالدتي." أما شقيقه وسام والذي كان ممددا
من التعب ونظراته تنم على أنه ما زال خائفا ومرتعبا من هول ما جري مع أسرته
ونجاتها من موت محقق سألني: "متى سيتوقف القصف ونعود إلى
منازلنا؟" فرد عليه والده "حتى يخفف عنه "سنعود غدا." ويحتضنه
ويقول له: "لا تخف هذا القصف صوت فراقيع."
و
تصف الحاجة سعاد والتي تجاوز عمرها 70 عاما وتجاعيد وجهها يدلل على أنها
ترسم خريطة الوطن في خاطرها ما جري معها وأسرتها بنكبة أخري حلت بها مشيرة أن
الاسرائيليين يريدون أن يهجروننا من منازلنا وأرضنا كما حدث في عام 48 ولكن لن ينجحوا.
وبنوع
من الإصرار والعزيمة والتحدي قالت: "مهما غبنا عن منازلنا فسنرجع لها"
وتروي الحاجة سعاد ساعات الخوف والرعب التي عاشتها مع أفراد أسرتها قائلة: "خرجنا
من منازلنا ونحن ندعو الله أن ينجينا من الموت والقذائف تتساقط من حولنا وبعض
الجثث ملقاة على الطرق لم تستطع سيارات الإسعاف الوصول إليها مشيرة إلى أن الجيران
عندما رأونا تشجعوا وخرجوا معنا وتصف الحاجة سعاد تلك المشاهد بالمرعبة
والتي لا يمكن أن تنساها. وتضيف حاولت أن أعود إلى منزلي مرة أخري على اعتقاد بأنني
طاعنة في السن وان الجنود لن يتعرضوا لي لكي أحضر بعض الأغراض لأسرتي المنكوبة
ولكني عدت بعد أن تعرضت لإطلاق النيران."
وأتناء
تواجدي في مركز الإيواء جاء خبر قصف قوات الاحتلال لمركز الإيواء في منطقة الفاخورة
بجباليا كالصاعقة على نفوس المهجرين مما زاد من خوفهم ورعبهم وقلقهم
على حياتهم لكنهم وكلوا أمرهم إلى الله. وفي هذا الإطار تتساءل
المواطنة علا عكيلة وهي تحتضن ولدها الصغير: "أين سنذهب طالما أن الوكالة لا
تستطيع توفير الأمن والحماية لنا؟" مشيرة أن كل مكان في قطاع غزة أصبح غير آمن
لأن قوات الاحتلال لا تميز.
فأسرة
عكيلة مثال حي للمئات من الأسر التي هربت من منازلها خوفا على حياتها من
القصف والموت والتجأت لمراكز الإيواء التي أقامتها الوكالة في المدارس التابعة لها
أو عند أقاربها لحين توقف القتال وانسحاب قوات الاحتلال والعودة إلي منازلها
أن كانت باقية ولم تقصف أو تهدم أو لم يلحق بها أي أذى.
متى
سترجع عائلة عكيلة إلى بيتها في المغراقة؟ وهل سيكون بيتها قائما؟ ومتى
سيتمكن المواطنون من مواصلة حياتهم بشكل طبيعي؟ أما عن مشروع تحسين خدمات المياه
والصرف الصحي الطارئ، فلا أحد يعلم متى يمكن العودة إلى تنفيذه.
|