صور من مشاريع مؤسسة التعاون

مشروع التعليم ما قبل المدرسي إدخال التعلم النشط إلى رياض الأطفال في المخيمات الفلسطينية في لبنان 5/6/2008 PDF تصدير لهيئة طباعة ارسال لصديق

من بيروت، وفي تمام الساعة السابعة والنصف صباحاً، هدر محرك السيارة معلناً انطلاق الرحلة ذات الأيام الأربعة إلى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في بيروت وطرابلس وصيدا وصور. كنا ثلاثة زملاء نعمل في مؤسسة التعاون. وحدي القادمة من مكتب رام الله، ومنال ومحمد من مكتب لبنان. غايتنا تقويم مساهمات مؤسسة التعاون في قطاع رياض الأطفال وقطاعات أخرى.

 

... أوراق الشجر غضه ربيعية اللون، السماء صافية وزرقة البحر ملوكية تختلط برائحته... استمتع باللوحة لبرهة وأتصور الشاطئ المقابل في فلسطين... تأخذني مخيلتي إلى أرشيفات وكالة الغوث الدولية التي تعج بصور السفن محملّة باللاجئين الفلسطينيين المهجّرين من حيفا ويافا إلى لبنان... تختلط هذه الصورة بحكايات الأصدقاء اللذين وصفوا لي سابقاً تفصيلات هجرتهم إلى بيروت. ينتابني حزن لوهلة... أقمعه... بل استمد منه عزم إضافي لأداء مهمتي الهادفة لتحسين خدمات المؤسسة للشعب الفلسطيني، فأرغم ذاكرتي على استحضار المقدمة التي بدأت سائده، المشرفة على مشروع التعلم النشط في رياض أطفال مخيمات الفلسطينيين في لبنان، بتلخيصها حول أوضاع تلك الرياض. "ربما يتمثل النجاح الأول والأساس في مشروع تطوير رياض الأطفال في كسر دائرة التشاؤم واليأس التي تحاصر معظم العاملين في هذا القطاع، والتي سرعان ما تنفذ إلى نفوس زوارها. فالفقر والحرمان وعدم الشعور بالأمان ظواهر متداخلة تحاصر رياض الأطفال في المخيمات وتتسرب إلى مبانيها المتداعية وملاعبها البائسة أصلا وتقوض إمكانياتها وتخيم على أساليب إشرافها وأنشطتها التربوية والترفيهية كافة". وتتابع... "لقد تطلب كسر دائرة اليأس وبعث الأمل في نفوس القائمين على تلك الرياض والانتقال بها إلى مستوى يوفر الحد الأدنى من شروط تنمية قدرات الأطفال ومهاراتهم - تطلب صياغة فهم مشترك للمشكلات المتداخلة  المعقدة وإعداد برنامج متكامل يواجه التحديات مع الحرص على تنفيذه بأقصى درجات النجاعة"... تتوقف ذاكراتي لأتأمل ما قالته سائده ... هل سأشعر باليأس كزائرة؟ ما مدى دقة مقولتها؟ ما هي المعايير التي استندت إليها في اعتبار المشروع قصة نجاح؟... أستكمل استرجاع الصورة المختصرة لأوضاع رياض الأطفال  كما وصفتها سائده... "يتمثل تردي الأوضاع بتدني رواتب المعلمات، (100 -200 دولار شهرياً) وعدم قدرة الأهالي على دفع الإقساط رغم ضآلتها (100- 200 سنوياً) وبالتالي زيادة عجز الرياض عن أداء خدماتها المترافق مع انسحاب الأطفال غير القادرين على تسديد الأقساط، وتردي البنى التحتية مع عدم القدرة على صيانتها، والنقص الفادح في التجهيزات التربوية، وندرة الكفايات المهنية مع قلة الخبرة ونقص التدريب، وغياب أساليب الإشراف الحديثة خاصة في ظل تحفظ الأهالي للحفاظ على الطرق التقليدية مع تعدد "المناهج" المتواجدة على شكل كتب مبعثرة تتضمن على القليل من الإرشادات للمعلمات وعلى الكثير من أوراق العمل ذات الطابع التلقيني للأبجدية وللحساب".

 

08-006.jpgالطريق من بيروت إلى طرابلس والى صور وصيدا متصلة بمباني يختلط فيها إلاعمار الحديث والقديم، لكل منطقة تاريخ، تحدثني منال بالتوالي مع محمد... "هنا أماكن أثرية فينيقية ... وهناك آثار بيزنطية وهذه رومانيه، أو مملوكيه وتلك عثمانية ... وهذه السكة التي قطعت الاتصال بين طرابلس وبيروت فرنسية"... يتدخل السائق بين الفينة والأخرى مؤكداً ويضيف... "حاجز الجيش هذا كان من أهم الحواجز في الحرب اللبنانية الأهلية التي قطعت الاتصال بين طرابلس وبيروت... هذه المنطقة حديثة البناء  يسكنها علّية القوم، بنيت إثر مقايضة أهلها لأحيائهم وأسواقهم الشعبية... مرفأ بيروت التجاري من أهم المرافئ بين الدول العربية القِطع الداكنة في الشارع تم تزفيتها حديثاً وهي ضرب إسرائيل للطرق والجسور الرئيسية لقطع الاتصال بيت بيروت والجنوب أثناء هجوم صيف 2006... بيارات الحمضيات التي ترينها وكروم العنب والتفاح كانت أكثر امتداداً... استُبدل بعضها بمزارع الموز لجدواه الاقتصادية... واستبدل البعض للأسف بأحياء سكنية... في خلال عشر دقائق يمكن أن تنزلي من أعلى الجبال الباردة في لبنان إلى شواطئها الدافئة.. هذا ما يميز لبنان... فيها كل شيء..."

 

ويتشعب الحديث... يتباعد ويتقارب... تلتحم في النهاية عناصره السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية لتشكل وشيجة لبنان، تلك الوشيجة التي ينفذ الوعي بأدق مكوناتها لمدارك أطفال المخيمات منذ نعومة أظفارهم. يولدون في أحياء مكتظة ... يعتادون فيها على رائحة الرطوبة النفاذة التي تتسلل برودتها إلى أجسادهم الصغيرة وتنخر عظامهم وهم في مقتبل العمر... شبكات الصرف الصحي والكهرباء والماء باليه وخطرة... لا مكان آمن للعب الأطفال ... التعليم في مدارس الوكالة في أدنى مستوياته ... وينطبق الحال على خدماتها الصحية وإلاغاثية التي تتقلص بتسارع مضطرد يفاقم من أزمة الثقة مع جهازها... فرص التعليم الجامعي نادرة وفرص العمل في الجهاز الحكومي معدومة.

 

...يعلو صوت السائق مرة أخرى: "غير مسموح للفلسطينيين أن يشتروا الأراضي ولا يمكنهم في حالات شراء المباني السكنية أن يقوموا بتسجيلها أو توريثها. وفي الحروب التي تنشأ بين الفينة  والأخرى يتم تهديم مخيماتهم... فيتوزع الأهالي على المخيمات الأخرى ليبدأوا  العيش من جديد... هذا ما حدث في مخيمات النبطية وتل الزعتر وجسر الباشا... والآن في مخيم نهر البارد الذي توزع ساكنيه على مخيم البدّاوي القريب منه وعلى باقي المخيمات في لبنان".

 

"السياسة وصراع القوى أساس البلى" ...جملة حفزت الخوض في الحديث عن المعارضين للحكومة، والموالين لها، وعن فتح الإسلام والحرب مع الجيش اللبناني... وحركة أمل... وحزب الله وانتصارهم على إسرائيل  في صيف 2006... حرب السبعينيات والثمانينيات ... تموز... السُنة والشيعة والموارنة والطوائف المسيحية والدروز... الانتخابات ودور أمريكا وإسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية وسوريا... بيئة بالغة التعقيد تتضافر لتفاقم من أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات ... يتحدث عنها الأطفال ويتأثرون بها فتهتز الهوية ويغيب الأمان...ويهاجر الشباب

وصلنا مشارف مخيم نهر البارد... استقبلتنا نوال ... ونوال هذه ظاهرة في الجرأة تعرفها لبنان. نوال فلسطينية تقاوم التهجير والتوطين والذوبان بالفطرة... قائده يحترمها الجميع ويثقون بتعليماتها وينفذونها دون تردد. دخلنا مخيم نهر البارد دون أن يُطلب منا إبراز التصريح اللازم... قال أفراد الدورية من الجيش اللبناني: "انتو مع نوال... لكان ادخلوا... ما في حاجة نشوف التصريح..." ... منظر مروع ودمار شامل استنهض دموعي من مآقيها... قالت نوال وقد استقرأت هول صدمتي رغم محاولتي إخفاءها "لسّه شو شايفه... هُدَّمت بيوتنا بما فيها كل الأشياء التي جمعناها عبر 60 عاماً من فلسطين... قدتُ عملية دخول المخيم والتطوع بجرف المباني المهدمة وإعادة البناء... للان عاد منا 1800 عائلة من أصل 5000 آلاف... هذه روضة "أطفال النجدة" قمنا باعمارها بعد أن هدمت الروضة القديمة ... استوعبنا جزء من الأطفال والجزء الأخر الحقناه بروضة في مخيم البداوي".

 

نوال... نوال... كان الأطفال ينادونها وهم يمسكون بتلابيب بنطالها ...غرف صفية في مرحلة التجهيز... دهان بألوان زاهية... ألعاب في ساحة متواضعة من الرمل تزدان بزهرة هنا وعرق نعناع زرع حديثاً، وورش للتعليم المهني ما زالت في طور الإعداد تطوعاً من قبل أهالي المخيم.

زفرت نوال دخان سيجارتها وقالت مستشفة قراري بعدم الخوض في مهمتي متبعة قاعدة "لكل مقامٍ مقال: "إن  كنتم تبغون معرفة نتائج مساهمة التعاون في تطوير رياض أطفال النجدة فإنني أنصحكم بزيارة رياضنا السبعة في مخيم البدّاوي وفي وسط لبنان وجنوبه". وهكذا كان.

 

بإشراف ودعم مالي قيمته  320,533 دولار من مؤسسة التعاون بتمويل من ( (MAP-Canada ، اشتركت سبع مؤسسات في مشروع اسـتحداث برنامج التعلم النشط في رياض الأطفال التابعة لها والتي تتراوح أعدادها لكل مؤسسة ما بين 3-14 روضة منتشرة في المخيمات الفلسطينية في لبنان. اشتملت خطة البرنامج ذات العامين على برنامج تدريب للكوادر، وإعداد منهاج تشكل عناصره قواسم مشتركة بين جميع الرياض، بالإضافة إلى دعم رواتب المعلمات والمشرفات وتزويد الرياض بالألعاب التربوية، وترميم يوفر شروط السلامة للمباني.

 

ضم برنامج التدريب 56 معلمة و9مشرفات تابعات لتسع روضات من سبع مؤسسات فلسطينية حددتها تلك المؤسسات التي تعمل في الوسط الفلسطيني.

 

وبناء عليه، شمل البرنامج روضتي بيت أطفال الصمود في البدّاوي وفي برج البراجنة التابعة للمؤسسة الوطنية للرعاية الاجتماعية والتأهيل المهني، وروضتي جمعية النجدة الاجتماعية في البرج الشمالي وفي البص، وروضة نهر البارد التابعة لمؤسسة غسان كنفاني الثقافية، وروضة نهر البارد التابعة للجمعية الوطنية للخدمات الطبية والاجتماعية والتأهيل المهني، وروضة مخيم البقاع التابعة لجمعية إنعاش المخيم الفلسطيني، وروضة عين الحلوة التابعة لمؤسسة نبيله برير الاجتماعية، وروضة عين الحلوة التابعة للاتحاد العام للمرأة الفلسطينية.

 

قمنا بزيارة معظم تلك الرياض... وفاق ما لمسناه كل التوقعات... القواسم المشتركة التي تميز أسلوب التعلم النشط ظاهرة للعيان... الأطفال يلعبون أو يرسمون أو ينشدون ويتحدثون معنا بمرح ودون وجل... رغم الإمكانيات المتواضعة، الصفوف تتبع في تقسيمها الفترة العمرية... ألوانها زاهية... الصور المعلقة من إنتاج الأطفال بالاشتراك مع المعلمات... المفهوم يتعمق ويتوسع بالتوازي مع الفترة العمرية ... موضوع الأسبوع: الربيع... في صف الثلاث سنوات... رسومات لأزهار وفراشات، والأطفال ينشدون "غثن (بالثاء عوضاً عن الصاد) اللوذ ذهر ذهر ..." (بالذال عوضاّ عن الزين)... في صف الأربع سنوات أزهار حقيقية مجمعة من البراري والنشيد "غصن اللوز زهر زهر" ولكن بلفظ سليم وإيقاع أفضل، وفي صف الخمس سنوات لوحات من أزهار طبيعية ملصقة على أوراق الكرتون الملونة مع اسم الزهرة يتردد على لسان الأطفال... بعض الأمهات متواجدات مع الأطفال في الصفوف أو في ساحة الألعاب ذات المساحة الضيقة المحددة بعناية بشجرة ليمون وجزء من كرمه عنب وياسمينه... الأطفال المعاقين مدموجين يتقاسمون نفس المنهاج... طريق مائلة ممهدة لتسهل عليهم التنقل للروضة وحمامات خاصة بهم في روضة غسان كنفاني... تحدثنا مع المعلمات والمشرفات... معلمات الرياض قاطبة ذكرن نفس التحديات التي كانت تواجه الرياض قبل تنفيذ المشروع فدعّمن تقرير مشرفة المشروع سائده.

 

وعن النتائج... كان الأهم لهن كما عبرت عنه المعلمة هالة من روضة النجدة/البص: "كنا نخسر أطفالنا كل سنه... الآن وبعد أن تعلمنا كيف نتحدث مع الأهالي ونشركهن في الأنشطة ونطلعهن على أساليبنا الحديثة في التعلم النشط، عاد لنا أطفالنا... بل تعدينا قدرتنا الاستيعابية بعشرة أطفال"... "كانت الأم تسحب طفلتها لأنها تريدها أن تقرأ وتكتب وتحسب وتحفظ آيات القرآن عن ظهر قلب كما هو الحال في الرياض الأخرى... خريجينا، بشهادة المدارس الابتدائية، هم الأفضل... وهذا أيضاً شجع الأمهات على إلحاق أطفالهن برياضنا".

 

اطلعنا على مذكرات التحضير... كانت الخطة بأهدافها وأنشطتها ومؤشرات القياس واضحة متكاملة تركز على تنمية قدرات الطفل ومهاراته وتزرع فيه القيم الديمقراطية مركزة على الحقوق والواجبات... لفت انتباهنا وجود مكتبة متواضعة في زاوية ظاهرة للعين تحتوي بالإضافة إلى قصص الأطفال على منهاج التعلم النشط الذي طوره المشاركون في البرنامج. قالت هاله:"... نستخدمه كمرجع... فالدورة التي التحقتُ بها على مدة سنتين وبواقع يوم في الأسبوع (الجمعة) وسعت مخيلتي... غدوتُ ابتكر وسائل وألعاب جديدة استوحيتها من البيئة... تعرفت على معلمات الرياض الأخرى... بعض منهن أصبحن صديقات لي... أتمنى أن يتكرر البرنامج وتلتحق به كل المشرفات والمعلمات في الرياض، فعلى الرغم من محاولتي إفادة زميلاتي إلا أن الوقت لا يسمح بنقل التجربة بالمستوى الذي أريده لهن". كانت تتحدث بحماس ولهفة منقطعة النظير فذكرتني بقول سائده"... حين تم إحضار الألعاب الخارجية شاهدت فرحة على وجوه الأطفال لم أشاهدها من قبل... وعلمت بأن  الأطفال باتوا يحضرون للعب في ساحة الروضة قبل موعد الدوام بنصف ساعة...".

 

في طريق العودة إلى رام الله... بدأت خيوط قصة النجاح تتضح لي... برنامج معد بالتشارك ... مشاركات متعطشات يتبادلن الخبرات... تنفيذ متكامل يغير أسلوب تنشئة الأطفال واتجاهات الأهل... بيئة تربوية أفضل... وتواصل بين القائمين على رياض الأطفال يبعث الأمل ويكسر دائرة اليأس رغم كل المهددات... تجربة تستحق التكرار في فلسطين بل تطويرها لزيادة التفاعل إقليمياً وتجويد النتاج... علّنا نبني جيلاً أفضل يحقق حلمنا بدولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة على أرضنا...

 

اعداد : دائرة البحث والتخطيط
مؤسسة التعاون - رام الله 

 

آخر تحديث ( Wednesday, 01 April 2009 )
 
< السابق   التالى >