ساهم الحصار الجائر المفروض على قطاع غزة وإغلاق المعابر في زيادة معاناة أهالي
القطاع، وتفاقمت المشكلة بعد إنقطاع الوقود الذي جلب الويل للسكان بجميع فئاتهم من
مرضى، وطلاب مدارس وجامعات، وموظفين وغيرهم، وطال جميع مناحي الحياة بما فيها
قطاعات الصحة والتعليم والزراعة والاقتصاد .
لا عجب إذن أن نسمع أو نشاهد الكثير من القصص من سكان
القطاع البالغ عددهم 1.5 مليون نسمة، حيث نجد في كل بيت قصة ولكل شخص حكاية في ظل
الحصار المحيط والإغلاق الجائر. بعضهم يتحدث عن صعوبة الوصول إلى المستشفيات من أجل
تلقي العلاج وآخر يروي أنه شاهد رجلاً طاعناً في السن يجلس على الطريق بانتظار
وسيلة مواصلات تنقله إلى العيادة.
ولعلنا في حل من الحديث هنا عن المصابين والجرحى وأصحاب الأمراض المزمنة
وما آل إليه حال المستشفيات والمخابز والجامعات والمدارس ووسائل المواصلات، فكل
قنوات الأخبار والصحف تتسارع إلى نقل معاناتهم وتسجيلها بالصوت والصورة والكلمة
المكتوبة. أنا هنا لأروي قصتي التي بدأت مع طفلتي بسمة أبنة الأربع سنوات.
بدأت أحداث القصة يوم الثلاثاء الموافق الثامن من نيسان/ أبريل 2008 عندما
عدت من عملي في مؤسسة التعاون واستقبلتني ابنتي بسمة قائلة: "بابا لم أذهب اليوم
للروضة.. لم يحضر الأتوبيس ليأخذني إليها.. متى سوف يحضر؟" قلت لها: سيأتي غداً
صباحا!
وتكرر المشهد في اليوم التالي، حتى علمت بسمة من أخواتها
أن الأتوبيس لا يوجد به وقود. لكنها ظلت تأمل أن يحضر الأتوبيس ليوصلها مع أقرانها
إلى لروضة. وتفاقمت المشكلة يوم السبت الموافق 12 نيسان/ أبريل 2008 عندما أخبرتني
شقيقة بسمة الطفلة مروة ابنة العشر سنوات أن سائق الأتوبيس الذي يقلها إلى المدرسة
لن يحضر في اليوم التالي بسبب نفاذ الوقود، فأخبرتها أنني سأرافقها إلى المدرسة.
وصباح يوم الأحد استيقظت مبكرا واصطحبت مروة الساعة السادسة صباحا إلى المدرسة مشيا
على الأقدام.
بعد ذلك واصلت المسير لمدة 45 دقيقة حتى وصلت إلى مكان
عملي حيث أضطلع بمتابعة المشاريع التي تمولها مؤسسة التعاون مع مؤسسات المجتمع
المدني في القطاع، الأمر الذي يستدعي القيام بالعديد من الزيارات الميدانية، وهي
مهمة تعذر علي القيام بها ببساطة لأنه لم يتسنى لي استخدام سيارة المؤسسة المتوقفة
بسبب عدم توفر الوقود.
وهكذا أصبح لزاماً علي وعلى زملائي العاملين في مكتب
مؤسسة التعاون بغزة الذهاب إلى عملنا مشياً على الأقدام. أحد الزملاء مثلاُ يقطن
في شمال غزة ويستغرقه الوصول إلى المكتب ساعة ونصف الساعة.
توقفت المواصلات العامة وصارت سيارات النقل العام تقف على
أبواب محطات الوقود بانتظار تعبئة الوقود لتمارس دورها في تسهيل حركة المواطنين
وإيصالهم إلى مواقع عملهم. باختصار، أصيبت حركة المواصلات بغزة بالشلل التام، إذ
أصبح لا يمكن التنقل من غزة إلى خان يونس ورفح وجباليا وجميع مناطق غزة.
ولأن الصمود والإصرار أصبحا جزءاً من زادنا اليومي،
ولإيماننا بأن واجبنا في رفد رسالة مؤسسة التعاون أكبر من كل الصعوبات والتحديات،
لم يتوقف عملنا يوماً واحداً إذ نواصل متابعة المشاريع من خلال الاتصال بالمؤسسات
المنفذة لها وذلك عبر البريد الالكتروني والاتصال الهاتفي. لكننا لا ننفصل عن
واقعنا المعاش، فنجد أن معظم الحوار ينصب في الحديث عن تلك المعاناة اليومية وما
يعيق تنفيذ تلك المشروعات التي تخدم قطاعات واسعة من أبناء القطاع. فعلى سبيل
المثال، المشروعات التي تهدف لتقديم خدمات للمعاقين متوقفة بسبب عدم وفرة الوقود
وبالتالي لا يمكن التواصل في هذا المجال.
أما مشروعات الأمن الغذائي والقطاع الزراعي فإنها ليست
أحسن حالاً، إذ يندب المزارعون حظهم لأن الأشتال تموت بسبب عدم توفر الوقود اللازم
لتشغيل مضخات آبار المياه وبالتالي لا يمكن ري تل الأشتال، ناهيك عن توقف العمل
بمشروعات البنية التحتية بسبب عدم توفر المواد الخام.
حديثنا طويل وقصصنا لا
تنتهي ويبقى الأمل بأن تنتهي المعاناة!
أخوكم عاطف الغصين
مؤسسة التعاون - مكتب غزة